مجمع البحوث الاسلامية
131
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مخالفا أهواءهم ، فسجّل عليهم أنّهم أهل هوى ، والهوى شهوة ومحبّة لما يلائم غرض صاحبه ، وهو مصدر بمعنى المفعول . وإنّما يجري الهوى على شهوة دواعي النّفوس ، أعني شهوات الأفعال ، غير الّتي تقتضيها الجبلّة ، فشهوة الطّعام والشّراب ونحوهما ممّا تدعو إليه الجبلّة ليست من الهوى ، وإنّما الهوى شهوة ما لا تقتضيه الفطرة ، كشهوة الظّلم وإهانة النّاس ، أو شهوة ما تقتضيه الجبلّة ، لكن يشتهي على كيفيّة وحالة لا تقتضيها الجبلّة ، لما يترتّب على تلك الحالة من فساد وضرّ ، مثل شهوة الطّعام المغصوب وشهوة الزّنى ، فمرجع معنى الهوى إلى المشتهي الّذي لا تقتضيه الجبلّة . والاتّباع : مجاز شائع في الموافقة ، أي لو وافق الحقّ ما يشتهونه . ومعنى موافقة الحقّ الأهواء : أن تكون ماهيّة الحقّ موافقة لأهواء النّفوس . فإنّ حقائق الأشياء لها تقرّر في الخارج سواء كانت موافقة لما يشتهيه النّاس أم لم تكن موافقة له ، فمنها الحقائق الوجوديّة وهي الأصل ، فهي متقرّرة في نفس الأمر ، مثل كون الإله واحدا ، وكونه لا يلد ، وكون البعث واقعا للجزاء ، فكونها حقّا هو عين تقرّرها في الخارج . ومنها الحقائق المعنويّة وهي الموجودة في الاعتبار ، فهي متقرّرة في الاعتبارات ، وكونها حقّا هو كونها جارية على ما يقتضيه نظام العالم ، مثل كون الوأد ظلما ، وكون القتل عدوانا ، وكون القمار أخذ مال بلا حقّ لآخذه في أخذه . فلو فرض أن يكون ( الحقّ ) في أضداد هذه المذكورات ، لفسدت السّماوات والأرض ، وفسد من فيهنّ ، أي من في السّماوات والأرض من النّاس . ( 18 : 75 ) الطّباطبائيّ : لما ذكر أنّ أكثرهم للحقّ كارهون ، وإنّما يكرهون الحقّ لمخالفته هواهم ، فهم يريدون من ( الحقّ ) أي الدّعوة الحقّة أن يتّبع أهواءهم وهذا ممّا لا يكون ألبتّة . إذ لو اتّبع الحقّ أهواءهم ، فتركوا وما يهوونه من الاعتقاد والعمل ، فعبدوا الأصنام واتّخذوا الأرباب ، ونفوا الرّسالة والمعاد ، واقترفوا ما أرادوه من الفحشاء والمنكر والفساد ، جاز أن يتّبعهم ( الحقّ ) في غير ذلك من الخليقة ، والنّظام الّذي يجري فيها بالحقّ ؛ إذ ليس بين الحقّ والحقّ فرق ، فأعطي كلّ منهم ما يشتهيه من جريان النّظام ، وفيه فساد السّماوات والأرض ومن فيهنّ ، واختلال النّظام ، وانتقاض القوانين الكلّيّة الجارية في الكون ، فمن البيّن أنّ الهوى لا يقف على حدّ ، ولا يستقرّ على قرار . ( 15 : 46 ) مكارم الشّيرازيّ : التّمسّك بالحقّ أو بالأهواء النّفسيّة . أشارت الآيات السّابقة - بشكل عابر - إلى التّناقض بين التّمسّك بالحقّ وبين الأهواء النّفسيّة ، وهي إشارة ذات مدلول كبير ؛ حيث تقول : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ . . . وتفسير هذه المسألة ليس صعبا للأسباب الآتية :